النجار كان خلص تغيير الكالون، وكان بابا وأخواتي واقفين مستنيينه. أول ما دخل، أخويا الكبير قفل الباب وراه، وبابا قاله بنبرة تخوف: «اسمع يا حسام.. الليلة دي انتهت، والمهزلة دي اتقفلت. الشقة دي شقة بنتي، والعفش ده عفشها، وإنت مالكش فيها ولا فتفوتة.
الكالون اتغير، والمفاتيح القديمة مابقاش ليها لازمة». حسام جه يتكلم، بس بابا قاطعه بحدة: «اسمع للأخر.. ورقة طلاق بنتي توصلي على بيتى بكرة الصبح، وتديها كل حقوقها، المؤخر والنف,قة والم,تعة، وترجعلها كل دهبها اللي أخدته منها.
وإلا وحق الله، هرفع عليك قواض,ي فض,ايح، وهجرجرك في المحاكم، وهخلي عيلتك كلها تتبرى منك بعد اللي عرفوه النهاردة». أخويا الصغير قرب منه وقاله به,مس يخوف: «ولو فكرت تقرب من باب الشقة دي تاني، أو تضايق أختي بأي طريقة، مات,لمش غير نفسك».
حسام وقف مكسور، عينه في الأرض، ومش قادر ينطق بكلمة. بابا شاوره على الباب وقاله بقلة قيمة: «برة.. ومش عايز أشوف وشك هنا تاني». حسام خرج يجر أذيال الخيبة، والباب اتقفل وراه مرة تانية، بس المرة دي الرزعة كانت بإنذار إن الحكاية خلصت، وإن الحق رجع لأصحابه.
بابا وأخواتي خدوني في حضنهم، وحسيت لأول مرة من سنين إن ليا ضه,ر وسن,د، وإن الخوف اللي كان كاتم على نفسي اتبخر للأبد. بعد ما الباب اتقفل وراه ووقع خطاويه على السلم اختفى، بابا لف وبصلي، عيونه كانت مليانة حنية وغيظ في نفس الوقت، خدني في حضنه وقالي: «حقك عليا يا بنتي، إحنا اللي سيبناكي ,,تستحملي قليل الأصل ده وتد,اري على عيبه لحد ما ا,تفرعن وافتكرك مقطو,عة من شجر,ة».
في اللحظة دي، الد,موع اللي حبستها طول اليوم نزلت، بس مكانتش دموع, قه,رة ولا ض,عف,، دي كانت دموع الغسيل.. كأن روحي بتتطهر من سنين ال,ذل والسكوت اللي عشتهم. إخواتي مقعدوش، شمروا دراعاتهم وبدأوا يلموا معايا الكبايات المتكسرة وينضفوا الصالة، وبابا نزل قعد تحت على القهوة اللي قصاد العمارة عشان يضمن إن لا حسام ولا حد من أهله يهوب ناحية البيت.
تاني يوم على العصر، التليفونات مبطلتش رن. أبوه كلم بابا بصوت مكسور وبيتأسف وبيقسم إنه ميعرفش حاجة عن المهزلة دي، وعمه—أبو ميادة—كان هيموت من الغيظ والفضيحة، جه بنفسه هو وأبوه لحد بيت أهلي عشان يعتذروا لبابا ويبرروا إن بنتهم كانت مخدوعة ومكنتش تعرف إنه بيضايف بيها في شقة مراته.
بابا قعد قصادهم حاطط رجل على رجل، ومقبلش أي تبرير ولا كلمة طبطبة، وقالهم جملة واحدة قطعت عرق وسيحت دم: «ابنكم ملوش قعاد عندنا، وكرامة بنتي مش لعبة.. ورقة الطلاق تتكتب الليلة، وكل قرش وكل مليم في القايمة والمؤخر يتدفع كاش قبل ما المأذون يحط قلمه، وإلا قسمًا عظيمًا لا المحاكم تقفل بيوتكم كلها».
حسام جه مع المأذون بالليل زي الكلب المض,روب، وشه في الأرض ومش قادر يرفع عينه في عين أي راجل في القعدة، مضى على ورقة الطلاق وإيده بتترعش، ودفع كل قرش كان عليه وهو ساكت ومذلول قدام أبوه وعمه وإخواتي.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.